|
الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) |
|
في ذلك المحيط الصاخب بالجاهلية، وكل مظاهر التيه والزيغ والبغي، ولد محمد بن عبد الله بن عبد المطلب (صلّى الله عليه وآله). ولحكمة إلهية وُلد يتيماً، فقد تُوفي أبوه عبد الله في طريق عودته من الشام من تجارة له، ومحمد (صلّى الله عليه وآله) ما زال جنيناً في رحم أمه آمنة بنت وهب (رضي الله عنها). وكان ميلاده المبارك في شهر ربيع الأول بعد حادثة هلاك أصحاب الفيل المشهورة (سورة الفيل) ـ التي أرخها القرآن الكريم بسورة منه كاملة ـ بشهر أو أكثر، ولد (صلّى الله عليه وآله) فأرضعته ثويبة مولاة أبي لهب أياماً بلبن ولدها مسروح، انتظاراً لقدوم المرضعات من نساء البوادي، إذ كان من دعاة أهل مكة أن يسترضعوا لأولادهم نساء أهل البادية، طلباً للفصاحة والفروسية. وكالمعتاد قَدِمتْ على مكة عشر مرضعات من قبيلة سعد بن بكر فأصبن الرضاع، إلا واحدة منهن، وهي حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله، فعرض عليها الوليد محمد (صلّى الله عليه وآله) فتبرّمت لكونه يتيماً، وما ينجم عن اليتم عادة من قلة ذات اليد، فاستشارت زوجها الحارث الذي كان يصحبها، قائلة: أنها تكره العودة بغير رضاع ولم يبق أمامها إلا هذا الطفل اليتيم، فأشار عليها زوجها أن تأخذ الطفل عسى الله أن يجعل لهما فيه خيراً. وما أن ألقمته ثديها حتى درّ لبنُها غزيراً، في حين كان ولدها يتضور جوعاً بسبب قلة لبنها قبل ذلك. ومن ثمّ تجلّت بركة الوليد المصطفى (صلّى الله عليه وآله) في الحي قاطبة، حتى عادت المرابع ممرعة خضراء، بعد أن كانت قاحلة مجدبة. وبعد أن أكمل تمام السنتين، وفطم من الرضاع عادت به حليمة إلى مكة لزيارة أمه وذويه، فحدثتهم عن آثار عظمة الطفل، ومظاهر الخير فيه، ثم عادت به إلى الحي مجدداً. الإعداد الإلهي المباشر وفي العام الخامس من عمره المبارك عادت به حليمة إلى أهله، حيث استقبلت مرحلة الصبا. والمتتبع لحياة الرسول (صلّى الله عليه وآله) منذ تلك السن المبكرة لا يسعه إلا أن يسلم بخضوعه خضوعاً مباشراً لرعاية الله سبحانه وتعالى، لا أقول الرعاية الصحية، والنمو السليم فحسب، وإنما الرعاية الخاصة بالإعداد المباشر من أجل النهوض بأعباء الرسالة العظمى فيما بعد. وقد انطوت كتب السيرة على أحداث غاية في الأهمية تجسد بعمق حقيقة أن الرسول (صلّى الله عليه وآله) كان خاضعاً لِلون خاص من الإعداد الإلهي لتحمل أعباء المستقبل، وهذه جملة بما تقطع به كتب السيرة الصحيحة في هذا المضمار.
(ولقد قَرَنَ الله به (صلّى الله عليه وآله) من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم، ليلة ونهاره..). (نهج البلاغة، تبويب صبحي الصالح، ط1، س1967، ص300)
ولقد كان من آثار ذلك الإعداد الرباني المباشر له، أن المصطفى (صلّى الله عليه وآله) كان موحّداً لله عز وجل منذ سني حياته الأولى، وكان يعلن عداؤه للأوثان بلا تحفظ. (الوفاء بأحوال المصطفى ج1، ص133، وسبيل الهدى والرشاد ج2، ص199، والبحار ج15، ص410) وكان يحج بيت الله تعالى، ويأبى تناول ما يذبح على النصب، فضلاً عن تسميته على كل طعام، وحمده لله تعالى بعده، إلى جانب ما تحلى به من الاستقامة في الخلق، والتزام الفضيلة في القول، والعمل، حتى سماه قومه (الصادق الأمين) كصفة مميزة له من سواه. في كفالة جده وما أن بلغ الخامسة من عمره وعادت به حليمة إلى أمه، وذويه في مكة ـ كما ذكرنا ـ حتى وجد في جده عبد المطلب خير راع له إذ وفّر له كل ما يتطلب من حنان فياض وعطف أبوي غامر، فكان يأكل معه، ويدخل عليه في خلوته، ويجلس على فراشه، ويدنيه منه في مجلسه، ويشدد على العناية به من لدن أهله. كل ذلك كان يؤديه عبد المطلب لا بدافع عاطفي، باعتبار أن محمداً (صلّى الله عليه وآله) وديعة فقيده عبد الله فحسب، ولكن لتوسّمه في أن لابنه هذا شأناً لابد أن يصير إليه. ومن أجل ذلك كان يوصي به ابنه أبا طالب، وأم أيمن. ولما بلغ السادسة من عمره الشريف، ذهبت به أمه آمنة بصحبة أم أيمن، لزيارة أخواله بني عدي بن النجار في المدينة، وبعد أن مكثوا هنالك شهراً، قفلوا راجعين إلى مكة، وفي الطريق لاقت أمه آمنة منيتها، فدفنت في الأبواء، وهي قرية بين مكة والمدينة، فعادت به أم أيمن إلى جده، حيث اضطلعت بدور الأمومة كما كان جده مضطلعاً بدور الأبوة، على أن عبد المطلب قد اختطفته يد المنون، والمصطفى في السنة الثامنة من عمره الشريف. في رعاية أبي طالب فتولى رعايته عمه أبو طالب الذي عامله بالحدب والعطف والرعاية الأبوية الفائقة، بشكل لم يحض به أحد من أبنائه قط، فكان ينام في فراشه، ويجلسه في جنبه، ويأكل معه، ويخرجه إذا خرج من داره.. إلى غير ذلك من ألوان الرعاية. مرحلة الشباب وما أن استقبل الرسول (صلّى الله عليه وآله) مرحلة الشباب حتى شمّر عن ساعدي الجد لممارسة العمل لكسب قوته، فرعي الغنم أول عمل مارسه الرسول (صلّى الله عليه وآله) كما حدث بذلك جابر بن عبد الله (رضي الله عنه)، قائلاً: كنا مع النبي (صلّى الله عليه وآله) نجني الكباث ـ وهو ثمر شجر الأراك الناضج ـ فقال (صلّى الله عليه وآله): عليكم بالأسود منه، فإنه أطيبه، فإني كنت أجنيه إذ كنتُ أرعى الغنم، قلنا: وكنت ترعى الغنم يا رسول الله؟ قال: نعم وما من نبي إلا وقد رعاها. (أمين دويدار، صور من حياة محمد، ص76، ط دار المعارف بمصر) وقال (صلّى الله عليه وآله) يوماً: كنت أرعى الغنم على قراريط لأهل مكة.. (الفروع من الكافي، كتاب المعيشة، ج4، ص65) فبالرغم من أن الله سبحانه قادر على كفاية عبده ورسوله مشقة العمل، غير أنه تعالى أراد لرسوله أن يكون قدوة للناس، في الاجتهاد في العمل وعدم الاتكال على الناس. وقد شدد الإسلام الحنيف على ضرورة العمل وأهميته على لسان رسوله (صلّى الله عليه وآله) حيث قال (صلّى الله عليه وآله): (ملعون من ألقى كلّه على الناس). (نفس المصدر) وقال (صلّى الله عليه وآله): (العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال). (المصدر السابق) وقال كذلك: (نعم العون على تقوى الله: الغنى). (المصدر السابق) في بيت الزوجية وفي الخامسة والعشرين من عمره الشريف، ذهب بتجارة إلى الشام لخديجة بنت خويلد (رضي الله عنها)، حيث كانت خديجة امرأة ذات جمال وشرف وثروة، وقد اعتادت أن تضارب الرجال، بأجر تجعله لهم، وحين ذاع صيت المصطفى (صلّى الله عليه وآله)، بين الناس، وعرفت بصدقه وأمانته وكرم أخلاقه، واستقامة سلوكه، عرضت عليه خديجة أن يخرج لها بتجارة إلى الشام وضاربته بأجر أكثر من سابقيه من الرجال، فخرج في قافلة لها بصحبة غلامها ميسرة، فباعا وابتاعا وعادا وافرين، (عاد وافرا: عاد وقد ربح) وراح ميسرة يحدث خديجة عن شمائل محمد (صلّى الله عليه وآله)، وسمو أخلاقه، فوقع في نفسها حب الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأنه أهل لأن يكون لها زوجاً، فأرسلت إليه نفيسة بنت منبه فقالت: ـ ما يمنعك أن تتزوج؟ ـ ما بيدي ما أتزوج به. ـ فإن كُفيتَ ذلك، ودُعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟ ـ فمن هي؟ ـ خديجة! ـ كيف لي بذلك؟ ـ عليّ ذلك.. فأجابها بالقبول. ثم أرسل عمّه، حمزة بن عبد المطلب ـ أو عمّه أبا طالب (على قول) ـ إلى خطبتها من عمها، حيث كان أبوها قد مات، فوقع الاتفاق، وتزوّجها المصطفى (صلّى الله عليه وآله) وكان عمره خمساً وعشرين سنة، وعمرها أربعين سنة ـ إذ كانت أرملة ـ وذلك بعد عودته من تجارتها من الشام بشهرين. وقد انتقل بعد زواجها إلى دارها. وحققا بذلك أروع تلاحم عاطفي، معطر بالود، والوفاء. وكانت إلى جانب حبها له، امرأة شريفة، ذات بصيرة تُحسِن تصريف الأمور، في روية، تشد من أزره، وتعينه على النوائب، وتخفف من أعبائه. ثم كانت أول من صدّق رسالته، وبذلتْ كلّ ثروتها من أجل دعوته، وقد قابلها وداً بود، فلم يتزوج سواها حتى لحقتْ بالرفيق الأعلى. وقد ظل طوال حياته يثني عليها، ويذكر مآثرها. وقد اتسمتْ حياة محمد (صلّى الله عليه وآله) بالمثابرة والجد منذ صباه، وإن كان زواجه من خديجة (رضي الله عنها) قد منح حياته (صلّى الله عليه وآله) بعض الاستقرار والراحة، ووجد (صلّى الله عليه وآله) فيما غمرته به زوجته خديجة (رضي الله عنها) من حنان وعاطفة صادقين ما يعوضه عن عاطفة الأبوة، وحنان الأمومة، اللذين فقدهما في مرحلة الصبا، من حياته الكريمة. وفي هذه الفترة بالذات بدأت إرهاصات النبوة تتجلى في حياته، ومن أجل ذلك راح يستجيب لمتطلبات هذه المرحلة، فها هو، ينقطع في غار حراء أياماً معلومة، وشهراً متواصلاً في كل عام يقضيه بالعبادة، والتأمل والانقطاع لرب العالمين، بعيداً عن أجواء الجاهلية ومفاسدها، في جو خاص من الإعداد الإلهي، لحمل الرسالة العظمى. واستمر هذا اللون من الممارسة حتى بلغ الأربعين من العمر حيث أشرق الوحي المقدس على روحه وقلبه حاملاً له أول بيان من الرسالة الخاتمة: (اقرأ باسم ربك الذي خلق..). المكانة الاجتماعية على أنه (صلّى الله عليه وآله) طوال الخمسة عشرة سنة، أو العشرين من عمره قبل الدعوة تركزت شخصيته الاجتماعية، فاشتهر بسمو الأخلاق، وكرم النفس والصدق والأمانة، حتى صارت ميزة له دون سواه، كما أسلفنا. وقد تجلّت قوة شخصيته الاجتماعية في بناء الكعبة المشرفة، فالكعبة قد تعرضت، لسيل جارف، بعد حريق أصابها ممّا سبب ضرراً فادحاً ببنائها، فرأت قريش أن تعيد بناءها، فخرج الوليد بن المغيرة، في نفر من قريش وابتاعوا خشب سفينة كانت قد تحطمت عند جدة، وعدّوه لتسقيفها، وكان بمكة نجار يدعى (باقوم) وهو مولى لسعيد بن العاص، فأمروه أن يمارس البناء. وقد اشتركت قريش بجميع قبائلها بالبناء، فلما أرادوا وضع الحجر الأسود في موضعه، دبّ النزاع في قريش، حول من يضطلع بشرف وضع الحجر الأسود في موضعه المعلوم، وودّت كل طائفة أن تنال ذلك الشرف دون سواها. وتأزم الموقف، وكاد أن يفلت الزمام، لولا أن أبا أمية بن المغيرة ـ وكان أسنهم ـ قد اقترح عليهم، أن يحكّموا بينهم، أوّل من يدخل عليهم من باب بني شيبة، فاستجابوا لمشورته وانتظروا طلعة المنقذ، وطلع عليهم المصطفى (صلّى الله عليه وآله)، فلما بصروا به، قالوا: هذا الأمين، رضينا به. هذا محمد..! فلما انتهى إليهم وأخبروه خبرهم، قال (صلّى الله عليه وآله): هَلُمَّ إليّ ثوباً. فأتى به، فبسطه على الأرض، ثم وضع الحجر فيه، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بطرف من الثوب ثم ارفعوه جميعاً. ففعلوا، حتى إذا بلغوا موضعه حمله بيده الشريفة ووضعه في مكانه الخاص. حلف الفضول ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى أن المصطفى (صلّى الله عليه وآله) قد شارك في حلف الفضول الذي عقد بين زعماء القبائل العربية المشتركة في حرب الفجار المفجعة، حيث حقق الحلف المذكور، نصراً للمظلومين بعد الاتفاق بين الأطراف المتنازعة على درء المظالم، والتعاون على نصرة الحق، والدفاع عن المظلوم. وقد ورد عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) ثناء جميل على ما حققه ذلك الحلف بقوله (صلّى الله عليه وآله): (ما أحب أن لي بحلف حضرته في دار ابن جدعان حمر النعم (الإبل)، أعذر به هاشم وزهرة وتيم، تحالفوا أن يكونوا مع المظلوم ما بلّ بحر صوفه، ولو دعيت به لأجبت، وهو حلف الفضول). (محمد رسول الله، محمد رضا ص37- دار الكتب العربية بيروت، 1975، وتهذيب سيرة ابن هشام عبد السلام هارون ط3، 1964، القاهرة، ص41) وكانت البعثة حين نتتبع حياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نجد أنه لم يفاجأ بالرسالة أبداً وإنما كانت حياته تمر بإعداد خاص، فمنذ مطلع حياته كان يتعهده ربّه الأعلى بالعناية والإعداد، كان يصنع شخصيته على عينه كما ذكر ذلك الإمام علي (عليه السلام) في خطبته القاصعة، وكما أشار الإمام الباقر (عليه السلام) في حديث له بهذا الصدد. ومع استمرارية ذلك الإعداد الإلهي، بدأ انقطاع الرسول (صلّى الله عليه وآله) في غار حراء، للعبادة والتأمل ـ غار حراء كهف صغير بأعلى جبل حراء في الشمال الشرقي من مكة ـ وهو لا شك لون من ألوان الإعداد، أو مظهر من مظاهره، وقد كان أقصى انقطاع له في الغار شهراً كاملاً، وهو شهر رمضان من كل سنة. على أنه كان ينقطع كذلك في الليالي ذوات العدد، ثم بدأ يسمع الصوت، ويرى النور، ويرى الرؤيا الصادقة التي تأتي كفلق الصبح. (إعلام الورى بأعلام الهدى، ص36) الرسول الداعية وحين بلغ الأربعين من عمره المبارك، نزل عليه جبريل (عليه السلام) بالرسالة الخاتمة تالياً عليه أوّل بيان سماوي: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) فعاد المصطفى (صلّى الله عليه وآله) إلى داره حاملاً مشعل الخير والهدى للعالمين. ولابد أن يكون جلال الموقف، وعظمة المشهد اللذين تجليا له قد أثرا في نفسه العظيمة، فاضطجع في فراشه ليأخذ قسطاً من الراحة، وفي هذه اللحظات بالذات كان الاتصال العلوي الثاني: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ...). وهكذا أمر الله تعالى رسوله (صلّى الله عليه وآله) بحمل الدعوة الإلهية إلى الناس.. الدعوة العامة ثم أن الرسول (صلّى الله عليه وآله) دعا قريشاً إلى الإسلام، حين أمره ربه الأعلى سبحانه بذلك: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ...) (الحجر: 94) حيث صعد على الصفا وصاح: (يا صباحاه يا صباحاه) ـ وكان ذلك من عادة العرب، إذا أرادوا الاجتماع لأمر مهم ـ فاجتمعت إليه قريش فقالوا: ما لك؟ فقال: أرأيتم إن أخبرتكم أنّ العدوّ مصبحكم أو ممسيكم، أما كنتم تصدقونني؟ قالوا: بلى. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف، يا بني زهرة.. انقذوا أنفسكم من النار، فإنني لا أغني عنكم من الله شيئاً، إن مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو، فانطلق يريد أهله أن يسبقوه إليهم. فقاطعه أبو لهب بقوله: تباً لك، ألهذا دعوتنا؟ فأنزل الله تبارك وتعالى فيه: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ). بيد أن إعلان الرسول (صلّى الله عليه وآله) ذلك لم يذهب سدى، فقد كان له أثره البالغ في إسلام الكثير وانضوائهم تحت راية (لا إله إلا الله) لكن الإعلان المذكور ذاته قد كان فاتحة عهد صراع مرير بين دعوة الله الفتية وكبرياء الجاهلية. وقد اتخذت سياسة الاضطهاد من الجاهلين مظهرين:
2 ـ اضطهاد الصفوة المؤمنين من أنصاره، فقد عاملتهم منذ البداية بالإرهاب، والاضطهاد، والإيذاء، والتشريد، والقتل، فما أن عرفت قريش أتباع محمد (صلّى الله عليه وآله) حتى صبت عليهم العذاب صباً. وكان الرسول (صلّى الله عليه وآله) إزاء ذلك العذاب الأليم، يحث أتباعه على الصبر واحتمال الأذى، ويشجهم على الصمود حتى يأتي نصر الله.إلى الحبشة وحين تحجرت مكة في وجه الدعوة إلى ذلك الحد المؤلم، رأى الرسول (صلّى الله عليه وآله) أن يأذن لعدد من أتباعه، بالهجرة إلى الحبشة، ليوفر لهم حماية، ومنجى من الاضطهاد على الأقل، وقد هاجر منهم فعلاً أحد عشر رجلاً، وأربع نسوة، وخرجوا متسللين حتى إذا بلغوا البحر، وجدوا سفينتين للتجار، فاستأجروهما إلى الحبشة. وحين بلغ قريشاً أمرهم، تبعتهم إلى البحر فلم تجد لهم أثراً. ووصلوا أرض الهجرة. وبقوا فيها ثلاثة أشهر، فبلغهم أن قريشاً أسلمت، فعادوا إلى مكة. ولم تكف قريش عن ملاحقتهم، بالعذاب، والأذى. فأمرهم الرسول (صلّى الله عليه وآله) بالهجرة إلى الحبشة مجدداً، فهاجروا، وكانوا ثمانين رجلاً، وثماني عشرة امرأة، وفي طليعتهم جعفر بن أبي طالب وزوجته أسماء، وحين وصلوا الحبشة أحسن النجاشي جوارهم، فاطمأنوا بشكل لم يجدوا له مثيلاً في وطنهم. وقد أقلق قريشاً أمر الهجرة إلى الحبشة، فخشيت العاقبة، وساءها أن يطمئن حملة الدعوة هناك، فأرسلت عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى النجاشي، وحملتهما الهدايا للنجاشي وحاشيته محاولة منها لإقناعه بالتخلي عن جوارهم، وإعادتهم إلى مكة. ولكن خطتهم فشلت في إرجاع المهاجرين، وبقي المهاجرون في الحبشة. تصاعد المحنة وإعلان الحصار وحين فشلت خطة قريش في إفشال هجرة الحبشة، صبت حقدها على الدعوة في مكة، واتخذ رؤوس الشرك فيها قراراً، مفاده: إن لم يخل أبو طالب بين قريش ومحمد (صلّى الله عليه وآله)، فلابد من مقاطعة قريش كلها لبني هاشم جميعاً. ولما لم يستجب أبو طالب لمطالب قريش، وأصرّ على حماية الرسول (صلّى الله عليه وآله) مهما كان الثمن كتبت قريش صحيفة فيما بينها، تضمنت مقاطعة بني هاشم جميعاً في البيع، والشراء، والمخالطة، والزواج، ووُقّعت من لدن أربعين زعيماً، من زعماء قريش، وعلقوها داخل الكعبة، وحصروا بني هاشم جميعهم إلا أبا لهب لشدة خصومته لرسالة الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله) في شعب أبي طالب. فحصن أبو طالب الشعب وأمر بحراسته، ليلاً ونهاراً، وصار بنو هاشم لا يخرجون من الشعب إلا من موسم إلى موسم، موسم العمرة في رجب وموسم الحج في ذي الحجة، ونظراً لتفاقم الموقف بينهم وسائر قريش. وقد قطعت قريش عنهم التموين، إلا ما يصل إليهم سراً وهو لا يسد حاجتهم من الغذاء. وبلغ بهم الضيق كل مبلغ بسبب ذلك، حتى مضى على المقاطعة ثلاث سنين.. فأرسل الله تعالى دودة الأرضة على صحيفتهم فأكلتها جميعاً غير (باسمك اللّهم). وأنبأ الله رسوله (صلّى الله عليه وآله) فأخبر عمه أبا طالب بالأمر فصدق قول ابن أخيه. وخرج أبو طالب إلى القوم وأخبرهم.. (.. إن ابن أخي أخبرني: أن الله قد سلط على صحيفتك الأرضة فأكلتها غير اسم الله، فإن كان صادقاً نزعتم عنه سوء رأيكم، وإن كان كاذباً دفعته إليكم..) قالوا: قد أنصفتنا، ففتحوها، فإذا هي كما قال. ووقع بين قريش نزاع حاسم بعد ذلك تمخض عن تمزيق الصحيفة وانتهاء المقاطعة. وكان لفشل المقاطعة القريشية وإحباطها الأثر الكبير في كسب الأنصار والمؤيدين للدعوة داخل مكة. عام الحزن وقد تعرضت الدعوة لأخطر محنة، في مسيرتها في مكة، وذلك عندما توفي أبو طالب، سندها الاجتماعي الأول، وبعده بأيام توفيت خديجة أم المؤمنين سندها الثاني. ولشدة تأثير الحادثتين في سير الحركة التاريخية للإسلام سمى الرسول (صلّى الله عليه وآله) ذلك العام، بعام الحزن، وصرح مرة بقوله: (ما زالت قريش كافة عني حتى مات أبو طالب). (محمد رسول الله، محمد رضا أمين، مكتبة جامعة القاهرة ص111، وكتاب كشف الغمة في معرفة الأئمة ج1، ص16، وتاريخ الطبري، ج2، ص222، وتاريخ ابن عساكر ج1، ص284، ومستدرك الحاكم ج2، ص622، وتاريخ ابن كثير ج3، ص122 وغيرها) الطائف ترفض الدعوة ولما اشتد إيذاء قريش للرسول (صلّى الله عليه وآله)، ولاقى منهم ما لم يجده قبل ذلك، اتجهت نيته (صلّى الله عليه وآله) شطر الطائف لعلها تكون منطلقاً للدعوة المباركة بعد أن تحجرت مكة، في وجهها، وبعد أن وقفت الحبشة في حدود إيواء المهاجرين من أتباعه فحسب، حيث أن تفشي الدين المسيحي هناك ووجود الدولة التي ترعاه، فرضاً أن لا يمارس الدعاة نشاطاً دعوتياً واسعاً فاكتفوا بما توفر لهم من حماية واطمئنان. وإذ اتجهت أنظار الدعوة إلى الطائف، سار الرسول (صلّى الله عليه وآله) إليها لا يصحبه غير زيد بن حارثة، وأقام فيها شهراً، اتصل خلاله بزعمائها، وأصحاب التأثير فيها، ولكن الطائف بدت، كما لو كانت مقاطعة من مقاطعات مكة، تحجراً وفظاظةً، فكان رد أكبر رجالاتها عبد ياليل ومسعود، وحبيب أبناء عمرو بن عمير، يتسم بالخسة وسوء الأدب. فبعد أن ردوا على دعوته بفاحش القول، أغروا به صبيان الطائف، وسفهاءها، وعبيدها، فانهالوا على الرسول (صلّى الله عليه وآله) سباً واستهزاءً، ورجماً بالحجارة حتى أدموا رجليه، وشجوا رأسه، فالتجأ إلى بستان لعتبة، وشيبة، ولدي ربيعة. ولما تفرق الغوغاء عنه اتجه الرسول إلى مصدر القوة والأمل والرجاء فدعا ربه تعالى بنبرة خاشعة: (اللّهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري؟! إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك). (الوفاء بأحوال المصطفى ج1، ص311، لابن الجوزي، وسيرة ابن هشام ج3، ص60، وما بعدها) وحين رأى ابنا ربيعة ما لقي الرسول (صلّى الله عليه وآله) أخذتهما الرحمة عليه، فدعيا غلاماً لهما يعمل في بستانهما، يدعى عداساً، فقالا له: خذ قطعاً من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق، ثم أذهب إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه. ففعل الغلام، وحين وضع الطبق بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومد (صلّى الله عليه وآله) يده في الطبق، قال: بسم الله. فنظر إليه عداس مندهشاً، ثم قال: والله إن هذا الكلام، ما يقوله أهل هذه البلاد! قال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): ومن أهل أي بلاد أنت يا عداس، وما دينك؟ قال: أنا نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى. قال (صلّى الله عليه وآله): من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟! قال له: وما يدريك ما يونس بن متى؟! قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): ذلك أخي كان نبياً، وأنا نبي. فما كان من عداس إلا أكبّ على يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ورأسه يقبلهما، وأعلن إسلامه. وهكذا عاد (صلّى الله عليه وآله) إلى مكة بعد أن أجاره مطعم بن عدي حين دخولها خشية قريش. ثم أن الرسول (صلّى الله عليه وآله) بدأ يعرض رسالته على القبائل، واحدة تلو الأخرى، يدعوهم إلى الله سبحانه. عرض رسالته على كنده، وبني حنيفة، وبني عامر بن صعصعة وغيرهم، وكلهم رفضوا دعوته، حتى صار يتبع الناس في منازلهم ويقول: من يؤويني؟ من ينصرني؟ أو يقول: ألا رجل يحملني إلى قومه، فإنّ قريشا قد منعوني أن أبلّغ كلام ربي. (محمد رسول الله، محمد رضا ص113، دار الكتب العلمية) بشائر الأمل وفيما كان يعرض (صلّى الله عليه وآله) رسالته على القبائل في مواسم الحج، التقى سنة إحدى عشرة من البعثة المباركة، بجماعة من الخزرج، فطلب منهم أن يجلسوا حتى يكلمهم، فاستجابوا لطلبه، فعرض عليهم الإسلام، ودعاهم إلى الله، وتلا عليهم كتابه، فقال بعضهم لبعض: (.. والله إنه للنبي الذي تعدكم اليهود، فلا يسبقنكم إليه..). (إعلام الورى بأعلام الهدى) فاستجابوا للدعوة، وأسلموا، وانصرفوا إلى يثرب يدعون إلى الإسلام حتى فشا في قومهم. وفي العام التالي قدم من أهل المدينة اثنا عشر رجلاً فاجتمعوا بالرسول (صلّى الله عليه وآله) في العقبة وبايعوه على أن لا يشركوا بالله شيئاً ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصوه في معروف، فإن وفوا فلهم الجنة، وإن غشوا من ذلك شيئاً، فأمرهم إلى الله، إن شاء عذب وشاء غفر... وقد أرسل الرسول معهم مصعب بن عمير ليشرف على تعليمهم الإسلام وأحكامه، وراح مصعب ـ وهو يومذاك في مقتبل دور الشباب من حياته ـ يدور في المدينة على الناس يدعوهم إلى الله ورسالته، يسنده في ذلك، من أسلم من قبل من أهل المدينة، حتى استجاب لدعوته، سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وهما أبرز رجالات المدينة، حيث فتح إسلامهما الباب واسعاً لدعوة الله تعال لتدخل نفوس أهل المدينة. بيعة العقبة وبعد أن مضى على مصعب عام واحد، وهو يدعو إلى الإسلام ويعلم من آمن أحكام الدين ويقرئهم القرآن، جاء في موسم الحج في وفد إسلامي كبير يضم سبعين رجلاً وامرأتين، وذلك في السنة الثالثة عشر من البعثة المباركة. وقد اتفقوا على لقاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سراً عند العقبة، حتى إذا مضى ثلث الليل ونام الحجيج، توافد المؤمنون إلى مكان اللقاء، وجاءهم الرسول (صلّى الله عليه وآله) بصحبة عمه العباس ابن عبد المطلب، فتكلم العباس أولاً: (.. إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، وهو في عز من قومه، ومنعة في بلده، وقد أبى إلا الانقطاع إليكم فإن كنتم ترون أنكم وافون بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه، فمن الآن فدعوه في عز ومنعة من قومه). (الوفا بأحوال المصطفى ج1، ص334 وما بعدها، وتفسير الميزان ج9، سورة الأنفال) فقالوا: قد سمعنا ما قلت. فتكلم يا رسول الله وخذ لنفسك وربك ما أحببت، فتلا (صلّى الله عليه وآله) القرآن.. ودعا إلى الإسلام ثم قال: (تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة، في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون لومة لائم، وعلى أن تبصروني، فمنعوني إذا قدمت عليكم ممّا تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم، وأولادكم ولكم الجنة..). (المصدر السابق) فأجابوه إلى ذلك، وبايعوه عليه بالإجماع. وقد كان لبيعة العقبة الثانية أثرها البالغ في نفوس المؤمنين حيث شعروا بتباشير النصر، تبدو لرسالتهم في الأفق، وانفتحت أمامهم، أبواب الأمل على مصارعها بعد طول كبت وضيق وإرهاب دام ثلاث عشرة سنة في مكة.. أما قريش، فقد أفزعها نبأ البيعة، وطار صواب زعمائها فقرروا البحث عمن عقد البيعة من أهل المدينة مع الرسول (صلّى الله عليه وآله) فألقوا القبض على المنذر بن عمرو، ولكنه فر من أيديهم، وألقوا القبض على سعد بن عبادة، فربطوا يديه إلى عنقه وسحبوه من شعر رأسه حتى أدخلوه مكة بالضرب الأليم، فخلصه من أيديهم مطعم بن عدي، والحارث بن حرب بن أمية لعلاقة تجارية له معهما.. الهجرة الكبرى وحين توفرت الأرض الجديدة التي أصبح بمقدور الدعوة أن تقف عليها لأداء رسالتها العظمى، أمر الرسول (صلّى الله عليه وآله) المؤمنين بالهجرة إليها، هرباً بدينهم من فتنة المشركين ومكائدهم. وهكذا راحت مواكب المهاجرين تتوافد إلى دار الإيمان سراً، وتحت جنح الظلام، تاركين أموالهم ودورهم من أجل دين الله. (إعلام الورى بأعلام الهدى ص59) وقد حاولت قريش أن تمنع بعض المؤمنين من الهجرة، لخشيتها عاقبة الهجرة، وما سيترتب عليها من تقوية للإسلام، وضعف لمعسكر الشرك والضلال، وقد نجحت في منع البعض فعلاً.. وأخيراً أذن الله سبحانه لرسوله بالهجرة إلى الأرض المباركة، وذلك على أثر اجتماع قريش في دار الندوة، للوصول إلى رأي في موضوع الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وبعد مداولات بشأنه، قال أحدهم: أثبتوه بالوثائق، واقترح آخر قتله وقال آخر: أخرجوه من مكة.. واتفقوا على رأي رابع، يقضي بأن يجمعوا من كل بطن من بطون قريش رجلاً ـ بما فيهم بنو هاشم ـ فيضربون رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بسيوفهم، ضربة رجل واحد، فيذهب دمه هدراً، فلا يستطيع بنو هاشم المطالبة بدمه. وحين تم إجماعهم على رأيهم السالف الذكر.. نبأ الله رسوله (صلّى الله عليه وآله) بمكرهم: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال: 30). (الميزان، ج9، ص79، طبعة بيروت) وبادرت قريش لتنفيذ ما اتفقت عليه ليلاً، لكن أبا لهب اقترح عليهم قتله عند الصباح.. وقد اخضعوا دار رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لحراسة شديدة، حتى لا يفلت الزمام من أيديهم. وفي الأثناء أمر الرسول (صلّى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) أن ينام في فراشه ويلتحف ببردته، وخرج هو (صلّى الله عليه وآله) من بينهم، وهو يتلو قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ) (يس: 9). وقد كان على موعد مع أبي بكر بن قحافة. (الميزان بحث روائي ج9، ص81) في مكان ما، حيث التقيا، واتجها للاختفاء في غار جبل ثور، وعندها بعث الله سبحانه العنكبوت فنسجت على باب الغار، وعند الصباح هجم القوم على مخدع الرسول (صلّى الله عليه وآله) فوثب علي (عليه السلام) في وجوههم قائلاً: ما شأنكم؟ قالوا: أين محمد؟ قال: أجعلتموني عليه رقيباً؟! ألستم قلتم نخرجه من بلادنا، فقد خرج عنكم. (المصدر السابق ص80) فأقبلوا على أبي لهب يضربونه، قائلين: أنت تخدعنا منذ الليل! ثم تفرقوا في الجبال بحثاً عنه (صلّى الله عليه وآله) مستصحبين معهم أبا كرز الذي اشتهر بتقصي الأثر، فعرف أثر الرسول حتى أوصلهم إلى الغار، وقال: ما جاوز هذا المكان.. فإما صعد إلى السماء أو دخل تحت الأرض! (المصدر السابق ص80) وبعد أن مكث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في الغار ثلاث ليال واطمأن بأن قريشاً قد كفت عن طلبه، سار نحو المدينة بصحبة دليل استأجره من مكة. وبعد أيام وصل الركب قبا خارج المدينة حيث نزل على كلثوم بن الهدم شيخ من بني عمرو بن عوف. (بحار الأنوار ج9، ص107-109، وروضة الكافي ص 339) وأقام (صلّى الله عليه وآله) مسجد قبا، وبقي ينتظر قدوم علي بن أبي طالب، حيث كتب إليه أن يلحق به، بعد أن يفرغ من رد الودائع إلى أهلها وتنفيذ الوصايا التي أوصاه بها قبل الهجرة. وحينئذ ابتاع علي (عليه السلام) ركائب حمل عليها فاطمة أمه، وفاطمة بنت محمد (صلّى الله عليه وآله) وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب، ثم أمر ضعاف المؤمنين بالهجرة، وأن يتسللوا ليلاً. (أعيان الشيعة ج3، ط3، ص155) وحين وصل الركب قبا، استقبلهم الرسول (صلّى الله عليه وآله) وعانق علياً وبكى رحمة به لما أصابه من إرهاق وأذى، كانا باديين على جسمه الشريف. وبقي الرسول (صلّى الله عليه وآله) بعد مقدم علي (عليه السلام) يومين في قبا، ثم ركب راحلته متجهاً نحو المدينة.. فاجتمع إليه بنو عمرو بن عوف، فقالوا: يا رسول الله، أقم عندنا، فإنا أهل الجد والجلد والحلقة والمنعمة. فقال مشيراً لناقته: خلّوا عنها فإنها مأمورة (بحار الأنوار ج19 وروضة الكافي ص339) حتى إذا بلغ الأنصار نبأه أقبلوا يسرعون للالتفاف حول الراحلة، والرسول (صلّى الله عليه وآله) يصر على إخلاء سبيلها حتى مر ببني سالم عند الزوال من ذلك اليوم، وكان يوم جمعة فاستماحوه بالنزول عندهم، فبركت ناقته عند مسجدهم ذاك الذي بنوه قبل قدوم الرسول (صلّى الله عليه وآله) إلى المدينة، فنزل (صلّى الله عليه وآله) وأقام الصلاة، وخطب أول خطبة بعهد الهجرة، ثم ارتحل والناس محتفّون به أيما احتفاء. فكانت النسوة يقفن على السطوح تكبر الله، تعبيراً عن الفرحة، والصبية يهتفون: الله أكبر.. جاء رسول الله.. ترحيباً بمقدم الرسول، والناس يتسابقون للقائه. وكان لا يمر بدار إلا اعترضوا طريقه: (هلمّ يا رسول الله إلى القوة والمنعة والثروة). ورسول الله يبتسم شاكراً وهو يقول ـ مشيراً إلى ناقته ـ (خلّوا سبيلها فإنها مأمورة) حتى بركت في موضع المسجد النبوي المبارك ـ إذ لم يكن مسجداً يومذاك ـ على باب أبي أيوب، خالد بن زيد الأنصاري، فنزل (صلّى الله عليه وآله) عنها فوثبت أم أيوب (رضي الله عنها) إلى الرحل فحلته، وأدخلته منزلها، ثم أنه (صلّى الله عليه وآله) نزل عند أبي أيوب (رضي الله عنه) حتى أقيم المسجد الشريف في بقعته المعلومة الآن، وأقيمت الدور حوله..
|
|
صفحة الشمائل المحمدية |
| الشمائل المحمدية
صفات الرسول عليه الصلاة والسلام كأنك تراه بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، الذي أرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالَمين وجعله مثلاً كاملاً للعامِلين وأسوة حسنة للمؤمنين، وحجة على خَلقِه أجمعين، حيث جعل رسالته عامة للناس كافة، والصلاة والسلام على نبينا الرؤوف بالمؤمنين، وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدِّين …… وبعد :- فهذا مختصر اشتمل على أهم صفات الرحمة الربانية -محمد بن عبد الله- الخُلُقية والخَلقية و أبرز معجزاته وبعض خصائصه التي أكرم الله عز وجل ذاته الطاهرة بها، مع إلقاء بعض الضوء على معالم المدينة المنورة وفضلها وذلك لنتعرف أكثر إلى أشرف المخلوقين، وأفضل السابقين واللاحقين، فإنه كلما ازدادت معرفتنا به صلى الله عليه وسلم كلما ازداد حبنا له، فمن لا يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرف الإسلام، ولقد أوجب الله سبحانه وتعالى على المؤمنين طاعته والاقتداء بهديه واتِّباع سُنَّته و توقيره ومحبته صلى الله عليه وسلم فوق محبة الآباء والأبناء والأزواج والعشيرة، والتجارة والأموال، وأوعد من تخلف عن تحقيق ذلك بالعقاب، فقال سبحانه وتعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ ءابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24]. ومن ها هنا نعلم اضطرارنا فوق كل ضرورة إلى معرفة نبينا صلى الله عليه وسلم لتقوى محبتنا له، فإذا ما أحببناه اقتدينا بهديه وتأدبنا بآدابه وتعاليمه، فبمتابعته يتميز أهل الهدى من أهل الضلال. لذلك يُنصح كل مسلم بقراءة هذا الموضوع مراراً حيناً بعد حين حتى لا تفارق ذهنه صورة النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه وأخلاقه. نسأل المولى عز وجل أن يرزقنا حسن متابعة الرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم، وأن ينفعنا بما فيه من هديه أحسن انتفاع، لنفوز بكرامة شفاعته ومحبته صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة وأن يعيننا على خدمة السُنَّة النبوية المُطَهَّرة وأن يجمعنا وإياكم تحت لواء المصطفى صلى الله عليه وسلم. اللهم أمِدَّنا بحَولِكَ وقوتك فأنت وحدك المستعان ، وتقبَّل منا عملنا هذا بقَبول حسن، واجعله خالصاً لوجهك الكريم، إنك أنت السميع المجيب.
صفات النبي صلى الله عليه وسلم الخَلقيةصفة لونـهعن أنس رضي الله عنه قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أزهر اللون، ليس بالأدهم و لا بالأبيض الأمهق (أي لم يكن شديد البياض والبرص )، يتلألأ نوراً ".
صفة وجههكان عليه الصلاة والسلام أسيَل الوجه مسنون الخدين ولم يكن مستديراً غاية التدوير، بل كان بين الاستدارة والإسالة هو أجمل عند كل ذي ذوق سليم. وكان وجهه مثل الشمس والقمر في الإشراق والصفاء، مليحاً كأنما صيغ من فضة لا أوضأ ولا أضوأ منه وكان صلى الله عليه و سلم إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنَّ وجهه قطعةُ قمر. قال عنه البراء بن عازب: " كان أحسن الناس وجهًا و أحسنهم خَلقا ".
صفة جبينهعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيل الجبين"، (الأسيل: هو المستوي)، أخرجه عبد الرازق والبيهقي ابن عساكر. وكان صلى الله عليه وسلم واسع الجبين أي ممتد الجبين طولاً وعرضاً، والجبين هو غير الجبهة، هو ما اكتنف الجبهة من يمين وشمال، فهما جبينان، فتكون الجبهة بين جبينين. وسعة الجبين محمودة عند كل ذي ذوق سليم. وصفه ابن أبي خيثمة فقال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلى الجبين ، إذا طلع جبينه بين الشعر أو طلع من فلق الشعر أو عند الليل أو طلع بوجهه على الناس، تراءى جبينه كأنه السراج المُتوقَّد يتلألأ".
صفة حاجبيهحاجباه قويان مقوَّسان، متّصلان اتصالاً خفيفاً، لا يُرى اتصالهما إلا أن يكون مسافراً وذلك بسبب غبار السفر.
صفة عينيهكان عليه الصلاة والسلام مشرب العينين بحمرة، وقوله مشرب العين بحمرة: هي عروق حمر رقاق وهي من علاماته صلى الله عليه وسلم التي في الكتب السالفة. وكانت عيناه واسعتين جميلتين، شديدتي سواد الحدقة، ذات أهداب طويلة (أي رموش العينين)، ناصعتي البياض و كان عليه الصلاة والسلام أشكل العينين، قال القسطلاني في المواهب: الشُكلة بضم الشين هي الحمرة تكون في بياض العين وهو محبوب محمود. قال الزرقاني: قال الحافظ العراقي: هي إحدى علامات نبوته صلى الله عليه وسلم، ولما سافر مع ميسرة إلى الشام سأل عنه الراهب ميسرة فقال: في عينيه حمرة؟ فقال: ما تفارقه، قال الراهب: هو (شرح المواهب). وكان صلى الله عليه وسلم" إذا نظرت إليه قُلت أكحل العينين وليس بأكحل"، رواه الترمذي. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كانت عيناه صلى الله عليه وسلم نجلاوان أدعجهما - والعين النجلاء الواسعة الحسنة والدعج: شدة سواد الحدقة، ولا يكون الدعج في شيء إلا في سواد الحدقة - وكان أهدب الأشفار حتى تكاد تلتبس من كثرتها "، أخرجه البيهقي في الدلائل وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق.
صفة أنفهيحسبه من لم يتأمله أشماً ولم يكن أشماً وكان مستقيماً، أقنى أي طويلاً في وسطه بعض ارتفاع، مع دقة أرنبته (الأرنبة هي ما لان من الأنف).
صفة خـدّيه
كان صلى الله عليه وسلم صلب الخدين. وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: "كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسَلِّمُ عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده
"، أخرجه ابن ماجه وقال مقبل الوادي هذا حديث صحيح. صفة فمه وأسنانهقال هند بن أبي هالة رضي الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشنب مفلج الأسنان (الأشنب: هو الذي في أسنانه رقة وتحدد)، أخرجه الطبراني في المعجم الكبير والترمذي في الشمائل وابن سعد في الطبقات والبغوي في شرح السنة. و عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ضليع الفم (أي واسع الفم) جميلهُ، وكان من أحسن عباد الله شفتين وألطفهم ختم فم. وكان عليه الصلاة والسلام وسيماً أشنب (أبيض الأسنان مفلج أي متفرق الأسنان، بعيد ما بين الثنايا والرباعيات)، أفلج الثنيَّتين (الثنايا جمع ثنية بالتشديد وهي الأسنان الأربع التي في مقدم الفم، ثنتان من فوق وثنتان من تحت، والفلج هو تباعد بين الأسنان)، إذا تكلم رُئِيَ كالنور يخرج من بين ثناياه "، (النور المرئي يحتمل أن يكون حسياً كما يحتمل أن يكون معنوياً فيكون المقصود من التشبيه ما يخرج من بين ثناياه من أحاديثه الشريفة وكلامه الجامع لأنواع الفصاحة والهداية).
صفة ريقـهلقد أعطى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم خصائص كثيرة لريقه الشريف ومن ذلك أن ريقه صلى الله عليه و سلم فيه شفاء للعليل، ورواء للغليل و غذاء و قوة و بركة ونماء ... فكم داوى صلى الله عليه وسلم بريقه الشريف من مريض فبرىء من ساعته !. جاء في الصحيحين عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: لأعطِيَنَّ الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلهم يرجو أن يُعطاها ، فقال صلى الله عليه وسلم: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه. فأُتِيَ به وفي رواية مسلم: قال سلمة: فأرسلني رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى علي، فجئت به أقوده أرمد فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه، فبرىء كأنه لم يكن به وجع ... و روى الطبراني و أبو نعيم أنَّ عميرة بنت مسعود الأنصارية وأخَواتها دخلن على النبي صلى الله عليه و سلم يبايعنَه، و هن خمس، فوجدنَه يأكل قديداً (لحم مجفَّف)، فمضغ لهن قديدة، قالت عميرة: ثم ناولني القديدة فقسمتها بينهن، فمضغَت كل واحدة قطعة فلَقَينَ الله تعالى وما وُجِدَ لأفواههن خلوف، (أي تغَيُّر رائحة فم).
صفة لحيته" كان رسول الله صلى الله عليه حسن اللحية"، أخرجه أحمد وصححه أحمد شاكر. و قالت عائشة رضي الله عنها: " كان صلى الله عليه وسلم كث اللحية، (والكث: الكثير منابت الشعر الملتفها)، وكانت عنفقته بارزة، وحولها كبياض اللؤلؤ، في أسفل عنفقته شعر منقاد حتى يقع انقيادها على شعر اللحية حتى يكون كأنه منها"، أخرجه أبو نعيم والبيهقي في دلائل النبوة وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق وابن أبي خيثمة في تاريخه. وعن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: "كان في عنفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم شعرات بيض"، أخرجه البخاري. وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: "لم يختضب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان البياض في عنفقته " أخرجه مسلم. كما كان صلى الله عليه وسلم أسود كثُّ اللحية، بمقدار قبضة اليد ، يُحسِّنهُا ويُطيِّبهُا (أي يضع عليها الطيب). وكان صلى الله عليه وسلم يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته ويكثر القناع كأنَّ ثوبه ثوب زيات، أخرجه الترمذي في الشمائل والبغوي في شرح السنة. وكان من هديه عليه الصلاة والسلام حف الشارب وإعفاء اللحية.
صفة رأسهكان النبي صلى الله عليه وسلم ذا رأس ضخم. صفة شعرهكان شديد السواد رَجِلاً (أي ليس مسترسلاً كشعر الروم ولا جعداً كشعر السودان وإنَّما هو على هيئة المُتَمَشِّط). يصل إلى أنصاف أذنيه حيناً ويرسله أحياناً فيصلإلى شَحمَة أُذُنيه أو بين أذنيه و عاتقه، وغاية طوله أن يضرب مَنكِبيه إذا طال زمان إرساله بعد الحلق، وبهذا يُجمَع بين الروايات الواردة في هذا الشأن، حيث أخبر كل واحدٍ من الرواة عمَّا رآه في حين من الأحيان. قال الإمام النووي: " هذا، ولم يحلق النبي صلى الله عليه وسلم رأسه (أي بالكلية) في سِنيّ الهجرة إلا عام الحُديبية ثم عام عُمرة القضاء ثم عام حجة الوداع ". قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير شعر الرأس راجله"، أخرجه أحمد والترمذي وقال حسن صحيح. ولم يكن في رأس النبي صلى الله عليه و سلم شيب إلا شُعيرات في مفرِق رأسه، فقد أخبر ابن سعيد أنه ما كان في لحية النبي صلى الله عليه و سلم و رأسه إلا سبع عشرة شعرة بيضاء وفي بعض الأحاديث ما يفيد أن شيبه لا يزيد على عشرة شعرات وكان عليه الصلاة والسلام إذا ادَّهن واراهُنَّ الدهن (أي أخفاهن)، وكان يدَّهِن بالطيب والحِنَّاء. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " كان النبي يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه، وكان أهل الكتاب يُسدِلون أشعارهم وكان المشركون يَفرقون رؤوسهم، فسدل النبي صلى الله عليه وسلم ناصيته ثم فرق بعد "، أخرجه البخاري ومسلم. وكان رجل الشعر حسناً ليس بالسبط ولا الجعد القطط، كما إذا مشطه بالمشط كأنه حُبُك الرَّمل، أو كأنه المتون التي تكون في الغُدُر إذا سفتها الرياح، فإذا مكث لم يرجل أخذ بعضه بعضاً، وتحلق حتى يكون متحلقاً كالخواتم ، لما كان أول مرة سدل ناصيته بين عينيه كما تسدل نواصي الخيل جاءه جبريل عليه السلام بالفِرق ففرق. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كنتُ إذا أردتُ أن أفرق رأس رسول الله صَدعْت الفرق من نافوخه وأرسلُ ناصيته بين عينيه "، أخرجه أبو داود وابن ماجه. وكان صلى الله عليه وسلم يُسدِلُ شعره أي يُرسِله ثم ترك ذلك وصار يَفرِقُهُ، فكان الفَرقُ مستحباً، وهو آخِرُ الأمرين منه صلى الله عليه وسلم. و فَرقُ شعر الرأس هو قسمته في المَفرِقِ وهو وسط الرأس . وكان يبدأ في ترجيل شعره من الجهة اليمنى، فكان يفرق رأسه ثم يُمَشِّطُ الشِّق الأيمن ثم الشِّق الأيسر. وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يترَجَّل غباً (أي يُمشط شعره و يتَعَهَّدُهُ من وقت إلى آخر). وعن عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيمن في طهوره (أي الابتداء باليمين) إذا تطهر وفي ترجله إذا ترجل وفي انتعاله إذا انتعل ، أخرجه البخاري.
صفة عنقه ورقبتهرقبته فيها طول، أما عنقه فكأنه جيد دمية (الجيد: هو العنق. والدمية: هي الصورة التي بولغ في تحسينها). عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: " كأن عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم إبريق فضة "، أخرجه ابن سعد في الطبقات والبيهقي. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: " كان أحسن عباد الله عنقاً، لا ينسب إلى الطول ولا إلى القصر، ما ظهر من عنقه للشمس والرياح فكأنه إبريق فضة يشوب ذهباً يتلألأ في بياض الفضة وحمرة الذهب، وما غيب في الثياب من عنقه فما تحتها فكأنه القمر ليلة البدر "، أخرجه البيهقي وابن عساكر.
صفة منكِبيهكان عليه الصلاة و السلام أشعر المنكبين (أي عليهما شعر كثير)، واسع ما بينهما، والمنكب هو مجمع العضد والكتف. والمراد بكونه بعيد ما بين المنكبين أنه عريض أعلى الظهر ويلزمه أنه عريض الصدر مع الإشارة إلى أن بُعد ما بين منكبيه لم يكن منافياً للاعتدال. وكان كَتِفاه عريضين عظيمين .
صفة خاتم النبوةوهو خاتم أسود اللون مثل الهلال وفي رواية أنه أخضر اللون، وفي رواية أنه كان أحمراً، وفي رواية أخرى أنه كلون جسده. والحقيقة أنه لا يوجد تدافع بين هذه الروايات لأن لون الخاتم كان يتفاوت باختلاف الأوقات، فيكون تارة أحمراً وتارة كلون جسده و هكذا بحسب الأوقات. ويبلغ حجم الخاتم قدر بيضة الحمامة، و ورد أنه كان على أعلى كتف النبي صلى الله عليه و سلم الأيسر. وقد عرف سلمان الفارسي رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الخاتم. وعن عبد الله بن سرجس قال: " رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم وأكلتُ معه خبزاً ولحماً وقال ثريداً. فقيل له: أستغفر لك النبي؟ قال: نعم ولك ، ثم تلى هذه الآية: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19]. قال: " ثم درت خلفه فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند ناغض كتفه اليسرى عليه خيلان كأمثال الثآليل "، أخرجه مسلم. قال أبو زيد رضي الله عنه: " قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم اقترب مني، فاقتربت منه، فقال: أدخل يدك فامسح ظهري، قال: فأدخلتُ يدي في قميصه فمسحتُ ظهره فوقع خاتم النبوة بين أصبعي قال: فسئل عن خاتم النبوة فقال: " شعرات بين كتفيه "، أخرجه أحمد والحاكم وقال (صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي. اللهم كما أكرمت أبا زيد رضي الله عنه بهذا فأكرمنا به يا ربنا يا إلهنا يا من تعطي السائلين من جودك وكرمك ولا تبالي.
صفة إبطيهكان عليه الصلاة والسلام أبيض الإبطين، وبياض الإبطين من علامة نُبُوَّتِهِ إذ إن الإبط من جميع الناس يكون عادة مُتَغَيِّر اللون. قال عبد الله بن مالك رضي الله عنه: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد فرَّج بين يديه (أي باعد) حتى نرى بياض إبطيه "، أخرجه البخاري. وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد جافى حتى يُرى بياض إبطيه "، أخرجه أحمد وقال الهيثمي في المجمع رجال أحمد رجال الصحيح.
صفة ذراعيهكان عليه الصلاة والسلام أشعر، طويل الزندين (أي الذراعين)، سبط القصب (القصب يريد به ساعديه).
صفة كفيهكان صلى الله عليه وسلم رحب الراحة (أي واسع الكف) كفه ممتلئة لحماً، غير أنّها مع غاية ضخامتها كانت لَيِّنَة أي ناعمة. قال أنَس رضي الله عنه: "ما مَسَستُ ديباجة ولا حريرة أليَنَ من كَفِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم". وأمَّا ما ورد في روايات أخرى عن خشونة كفيه وغلاظتها، فهو محمول على ما إذا عَمِل في الجهاد أو مهنة أهله، فإنّ كفه الشريفة تصير خشنة للعارض المذكور (أي العمل) وإذا ترك رجعت إلى النعومة. وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: " صليتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الأولى، ثم خرج إلى أهله وخرجتُ معهُ فاستقبله ولدان فجعل يمسح خدي أحدهم واحداً واحداً. قال: وأما أنا فمسح خدي. قال: "فوجدتُ ليده برداً أو ريحاً كأنما أخرجها من جونة عطار"، أخرجه مسلم.
صفة أصابعهقال هند بن أبي هالة رضي الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سائل الأطراف، قوله ( سائل الأطراف يريد الأصابع أنها طوال ليست بمنعقدة)، أخرجه الطبراني في المعجم الكبير والترمذي في الشمائل وابن سعد في الطبقات والحاكم مختصراً والبغوي في شرح السنة والحافظ في الاصابة.
صفة صَدرهعريض الصدر، مُمتَلِىءٌ لحماً، ليس بالسمين ولا بالنَّحيل، سواء البطن والظهر. وكان صلى الله عليه و سلم أشعر أعالي الصدر، عاري الثديين والبطن (أي لم يكن عليها شعر كثير) طويل المَسرَبَة و هو الشعر الدقيق.
صفة بطنه قالت أم معبد رضي الله عنها: "لم تعبه ثُلجه"، الثلجة: كبر البطن.
صفة سرته عن هند بن أبي هالة رضي الله عنه: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم.. دقيق المسربة موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك: حديث هند تقدم تخريجه. واللَّبَةُ المنحر وهو النقرة التي فوق الصدر.
صفة مفاصله وركبتيهكان صلى الله عليه و سلم ضخم الأعضاء كالركبتين والمِرفَقين و المنكبين والأصابع، وكل ذلك من دلائِل قوَّته عليه الصلاة والسلام.
صفة ساقيهعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: "... وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إلى بيض ساقيه"، أخرجه البخاري في صحيحه.
صفة قدميهقال هند بن أبي هالة رضي الله عنه: "كان النبي صلى الله عليه وسلم خمصان الأخمصين مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء ششن الكفين والقدمين". قوله: خمصان الأخمصين: الأخمص من القدم ما بين صدرها وعقبها، وهو الذي لا يلتصق بالأرض من القدمين، يريد أن ذلك منه مرتفع. مسيح القدمين: يريد أنهما ملساوان ليس في ظهورهما تكسر لذا قال ينبو عنهما الماء يعني أنه لا ثبات للماء عليها وسشن الكفين والقدمين أي غليظ الأصابع والراحة رواه الترمذي في الشمائل والطبراني. وكان صلى الله عليه و سلم أشبَهَ النَّاس بسيدنا إبراهيم عليه السلام، وكانت قدماه الشَّريفتان تُشبهان قدمي سيدنا إبراهيم عليه السلام كما هي آثارها في مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام.
صفة عَقِبيهكان الرسول صلى الله عليه و سلم مَنهوس العَقِبَين أي لحمهما قليل.
صفة قامته و طولهعن أنس رضي الله عنه قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رَبعَة من القَوم" (أي مربوع القامة)، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، وكان إلى الطول أقرب. وقد ورد عند البَيهَقي وابن عساكر أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يُماشي أحداً من الناس إلا طاله، و لرُبَّما اكتنفه الرجُلان الطويلان فيطولهما فإذا فارقاه نُسِبَ إلى الرَّبعة، وكان إذا جلس يكون كتفه أعلى من الجالس. وبالجملة كان صلى الله عليه وسلم حسن الجسم، معتدل الخَلق ومتناسب الأعضاء.
صفة عَرَقِهعن أنس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أزهر اللون كأنَّ عَرَقه اللؤلؤ " (أي كان صافياً أبيضاً مثل اللؤلؤ ) ... وقال أيضاً: "ما شَمَمتُ عنبراً قط و لا مسكاً أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم"، أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له. وعن أنس أيضاً قال: " دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَال (أي نام) عندنا، فعرِقَ وجاءت أمي بقارورة فجعلت تَسلُتُ العَرَق، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أم سُلَيم ما هذا الذي تصنعين؟ قالت: عَرَق نجعله في طيبنا وهو أطيَب الطيب"، رواه مسلم، وفيه دليل أن الصحابة كانوا يتبرَّكون بآثار النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أقرَّ الرسول عليه الصلاة والسلام أم سُليم على ذلك. وكان صلى الله عليه وسلم إذا صافحه الرجل وجد ريحه (أي تبقى رائحة النبي عليه الصلاة والسلام على يد الرجل الذي صافحه)، وإذا وضع يده على رأس صبي، فيظل يومه يُعرَف من بين الصبيان بريحه على رأسه.
ما جاء في اعتدال خَلقِه صلى الله عليه وسلمقال هند بن أبي هالة رضي الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتدل الخلق، بادن متماسك، سواء البطن والصدر"، أخرجه الطبراني والترمذي في الشمائل والبغوي في شرح السنة وابن سعد وغيرهم. قال البراء بن عازب رضي الله عنه: "كان رسول الله أحسن الناس وجهاً وأحسنهم خَلقاً"، أخرجه البخاري ومسلم.
الرسول المبارك صلى الله عليه و سلم بِوَصفٍ شامليُروى أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه ومولاه ودليلهما، خرجوا من مكة ومَرّوا على خيمة امرأة عجوز تُسمَّى (أم مَعْبد)، كانت تجلس قرب الخيمة تسقي وتُطعِم، فسألوها لحماً وتمراً ليشتروا منها، فلم يجدوا عندها شيئاً. نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في جانب الخيمة، وكان قد نَفِدَ زادهم وجاعوا. سأل النبي عليه الصلاة والسلام أم معبد: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ فأجابت أم معبد: شاة خلَّفها الجهد والضعف عن الغنم. قال الرسول صلى الله عليه و سلم: هل بها من لبن؟. ردت أم معبد: بأبي أنت وأمي ، إن رأيتَ بها حلباً فاحلبها!. فدعا النبي عليه الصلاة و السلام الشاة، ومسح بيده ضرعها، وسمَّى الله جلَّ ثناؤه ثم دعا لأم معبد في شاتها حتى فتحت الشاة رِجليها، ودَرَّت. فدعا بإناء كبير، فحلب فيه حتى امتلأ، ثم سقى المرأة حتى رويت، و سقى أصحابه حتى رَوُوا (أي شبعوا)، ثم شرب آخرهم، ثم حلبَ في الإناء مرة ثانية حتى ملأ الإناء، ثم تركه عندها وارتحلوا عنها ... وبعد قليل أتى زوج المرأة (أبو معبد) يسوق أعنُزاً يتمايلن من الضعف، فرأى اللبن!!. قال لزوجته: من أين لكِ هذا اللبن يا أم معبد و الشاة عازب (أي الغنم) ولا حلوب في البيت؟!!. أجابته: لا والله، إنه مَرَّ بنا رجل مُبارَك من حالِه كذا وكذا. فقال لها أبو مـعبد: صِفيه لي يا أم مـعبد !!. أم معبد تَصِفُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، أبلَجَ الوجهِ (أي مُشرِقَ الوجه)،لم تَعِبه نُحلَة (أي نُحول الجسم) ولم تُزرِ به صُقلَة (أنه ليس بِناحِلٍ ولا سمين)، وسيمٌ قسيم (أي حسن وضيء)، في عينيه دَعَج (أي سواد)، وفي أشفاره وَطَف (طويل شعر العين)، وفي صوته صحَل (بحَّة و حُسن)، و في عنقه سَطع (طول)، وفي لحيته كثاثة (كثرة شعر)، أزَجُّ أقرَن (حاجباه طويلان و مقوَّسان و مُتَّصِلان)، إن صَمَتَ فعليه الوقار، و إن تَكلم سما و علاهُ البهاء، أجمل الناس و أبهاهم من بعيد، وأجلاهم و أحسنهم من قريب، حلوُ المنطق، فصل لا تذْر ولا هذَر (كلامه بَيِّن وسط ليس بالقليل ولا بالكثير)، كأنَّ منطقه خرزات نظم يتحَدَّرن، رَبعة (ليس بالطويل البائن ولا بالقصير)، لا يأس من طول، ولا تقتَحِمُه عين من قِصر، غُصن بين غصين، فهو أنضَرُ الثلاثة منظراً، وأحسنهم قَدراً، له رُفَقاء يَحُفون به، إن قال أنصَتوا لقوله، وإن أمَرَ تبادروا لأمره، محشود محفود (أي عنده جماعة من أصحابه يطيعونه)، لا عابس ولا مُفَنَّد (غير عابس الوجه، وكلامه خالٍ من الخُرافة). قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذي ذُكِرَ لنا من أمره ما ذُكِر بمكة، و لقد همَمتُ أن أصحبه، ولأفعَلَنَّ إن وَجدتُ إلى ذلك سبيلا. و أصبح صوت بمكة عالياً يسمعه الناس، و لا يدرون من صاحبه و هو يقول : جزى الله رب الناس خيرَ جزائه رفيقين قالا خيمتي أم معبد هما نزلاها بالهدى و اهتدت به فقد فاز من أمسى رفيق محمد حديث حسن قوي أخرجه الحاكم و صححه ، ووافقه الذهبي. - وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة إضحيان، وعليه حُلَّة حمراء، فجعلتُ أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى القمر، فإذا هو عندي أحسنُ من القمر". (إضحِيان هي الليلة المقمرة من أولها إلى آخرها).
وما أحسن ما قيل في وصف الرسول صلى الله عليه وسلم"وأبيض يُستَسقى الغمام بوجهه ثِمال اليتامى عِصمة للأرامل" (ثِمال: مُطعِم ، عصمة: مانع من ظُلمهم).
ما جاء في حُسن النبي صلى الله عليه وسلم لقد وُصِفَ بأنه كان مشرباً حمرة وقد صدق من نعته بذلك، ولكن إنما كان المشرب منه حُمرة ما ضحا للشمس والرياح، فقد كان بياضه من ذلك قد أشرب حمرة، وما تحت الثياب فهو الأبيض الأزهر لا يشك فيه أحد ممن وصفه بأنه أبيض أزهر ... يعرف رضاه وغضبه وسروره في وجهه وكان لا يغضب إلا لله، كان إذا رضى أو سُرّ استنار وجهه فكأن وجهه المرآة، وإذا غضب تلون وجهه واحمرت عيناه. عن عائشة رضي الله عنها قالت: " استعرت من حفصة بنت رواحة إبرة كنت أخيط بها ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبتها فلم أقدر عليها، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبينت الإبرة لشعاع وجهه ... "، أخرجه ابن عساكر والأصبهاني في الدلائل والديلمي في مسند الفردوس كما في الجامع الكبير للسيوطي. و في ختام هذا العرض لبعض صفات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الخَلقية التي هي أكثر من أن يحيط بها كتاب لا بد من الإشارة إلى أن تمام الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم هو الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى خلق بدنه الشريف في غاية الحسن والكمال على وجه لم يظهر لآدمي مثله. ويرحم الله القائل: فهو الذي تم معناه وصورته ثم اصطفاه حبيباً باريء النسم فتنزه عن شريك في محاسنه فجوهر الحسن فيه غير منقسم وقيل في شأنه صلى الله عليه وسلم أيضاً : بلغ العلى بكمـــالـه كشف الدجى بجماله حسنت جميـع خصالــه صلـوا عليه وآلـه ورحم الله ابن الفارض حيث قال: وعلى تفنن واصف يفنى الزمــان وفيه ما لم يُوصَفِ مسألة: من المعلوم أن النسوة قطعت أيديهم لما رأين يوسف عليه السلام إذ إنه عليه السلام أوتيَ شطر الحسن، فلماذا لم يحصل مثل هذا الأمر مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل يا ترى سبب ذلك أن يوسف عليه السلام كان يفوق الرسول عليه الصلاة والسلام حُسناً وجمالاً؟
الجواب: صحيح أن يوسف عليه السلام أوتي شطر الحُسن ولكنه مع ذلك ما فاق جماله جمال وحُسن النبي صلى الله عليه وسلم. فلقد نال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم صفات كمال البشر جميعاً خَلقاً وخُلُقاً، فهو أجمل الناس وأكرمهم وأشجعهم على الإطلاق وأذكاهم وأحلمهم وأعلمهم… إلخ هذا من جهة، ومن جهة أخرى وكما مر معنا سابقاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلوه الوقار والهيبة من عظمة النور الذي كلَّله الله تعالى به، فكان الصحابة إذا جلسوا مع النبي صلى الله عليه وسلم كأن على رؤوسهم الطير من الهيبة والإجلال فالطير تقف على الشيء الثابت الذي لا يتحرك. وما كان كبار الصحابة يستطيعون أن ينظروا في وجهه ويصفوه لنا لشدة الهيبة والإجلال الذي كان يملأ قلوبهم وإنما وصفه لنا صغار الصحابة، ولهذا السبب لم يحصل ما حصل مع يوسف عليه السلام. صفات الرسول صلى الله عليه و سلم الخُلُقِية و شمائله صفة كلامه كان كلامه صلى الله عليه وسلم بَيِّن فَصْل ظاهر يحفظه من جَلَس إليه. ورد في حديث متفق عليه أنَّه عليه الصلاة والسلام: "كان يُحَدِّث حديثاً لو عَدَّه العادُّ لأحصاه". " وكان صلى الله عليه وسلم يعيد الكلمة ثلاثاً لِتُعقَل عنه "، رواه البخاري. ورُوِيَ أنه كان صلى الله عليه وسلم يُعرِض عن كل كلام قبيح و يُكَنِّي عن الأمور المُستَقبَحَة في العُرف إذا اضطره الكلام إلى ذكرها، وكان صلى الله عليه و سلم يذكر الله تعالى بين الخطوتين.
صفة ضحكه و بكائه - " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يضحك إلا تَبَسُّماً، وكنتَ إذا نظرتَ إليه قُلتَ أكحل العينين وليس بأكحل "، حسن رواه الترمذي . - وعن عبد الله بن الحارث قال: "ما رأيتُ أحداً أكثر تبسماً من الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُحَدِّث حديثاً إلا تبَسَّم، وكان ضَحِك أصحابه صلى الله عليه وسلم عنده التبسُّم من غير صوت اقتِداءً به وتَوقيراً له، وكان صلى الله عليه وسلم إذا جرى به الضحك وضع يده على فمه، وكان صلى الله عليه وسلم مِن أضحك الناس وأطيَبَهم نَفساً ". وكان صلى الله عليه وسلم إذا ضحك بانت نواجذه أي أضراسه من غير أن يرفع صوته وكان الغالب من أحواله التَّبَسُّم. وبكاؤه صلى الله عليه وسلم كان من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق و رفع صوت كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن تدمع عيناه حتى تنهملان ويُسمَع لصدره أزيز، ويبكي رحمة لِمَيِّت وخوفاً على أمَّته وشفقة من خشية الله تعالى وعند سماع القرآن وفي صلاة الليل. وعن عائشة قالت: " ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مُستَجمِعاً قط ضاحكاً، حتى أرى منه لهاته، (أي أقصى حَلقِه) ".
صفة لباسه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: " وكان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص ( وهو اسم لما يلبس من المخيط )، رواه الترمذي في الشمائل وصححه الحاكم. ولقد كانت سيرته صلى الله عليه وسلم في ملبسه أتَم و أنفع للبدن وأخَفَّ عليه، فلم تكن عمامته بالكبيرة التي يُؤذيه حملها أو يضعفه أو يجعله عرضة للآفات ، ولا بالصغيرة التي تقصُر عن وقاية الرأس من الحر والبرد وكذلك الأردِيَة (جمع رداء) والأزُر (جمع إزار) أخَفّ على البدن من غيرها. ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه و سلم نوعاً مُعيَّناً من الثياب، فقد لبس أنواعاً كثيرة ، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يلبس ما يجده. وكان عليه الصلاة والسلام يلبس يوم الجمعة والعيد ثوباً خاصاً، وإذا قدِمَ عليه الوفد، لبس أحسن ثيابه وأمر أصحابه بذلك. وعن أبي سعيد الخدري قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوباً سماه باسمه، (عمامة أو قميصاً أو رداء) ثم يقول: اللهم لك الحمد كما كسوتنيه أسألك خير ما صنع له وأعوذ من شره وشر ما صنع له"، رواه الترمذي في الشمائل، والسنن في اللباس، وأبو داود. كان أحب الثياب إليه البيضاء . وكان صلى الله عليه وسلم لا يبدو منه إلا طيب، كان آية ذلك في بدنه الشريف أنه لا يتَّسِخ له ثوب أي كانت ثيابه لا يصيبها الوسخ من العرق أو ما سوى ذلك وكان الذباب لا يقع على ثيابه.
صفة عمامته كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس قلنسوة بيضاء، والقلنسوة هي غشاء مبطَّن يستر الرأس، وكان صلى الله عليه و سلم يلبس القلانس (جمع قلنسوة) أحياناً تحت العمائم وبغير العمائم، ويلبس العمائم بغير القلانس أحياناً. كان صلى الله عليه وسلم إذا اعتَمَّ ( أي لبس العمامة )، سدل عمامته بين كتفيه، وكان عليه الصلاة والسلام لا يُوَلّي والياً حتى يُعَمِّمه و يرخي له عذبة من الجانب الأيمن نحو الأذن. ولم يكن صلى الله عليه وسلم يُطَوِّل العمامة أو يُوَسِّعها. قال ابن القيم: لم تكن عمامته صلى الله عليه وسلم كبيرة يؤذي الرأس حملها و لا صغيرة تقصر عن وقاية الرأس بل كانت وسطاً بين ذلك وخير الأمور الوسط. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعتم بعمامة بيضاء وأحياناً خضراء أو غير ذلك. وعن جابر رضي الله عنه قال: " دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء ". ولقد اعتم صلى الله عليه وسلم بعد بدر حيث رأى الملائكة تلبسها. وصحة لبس المصطفى للسواد ونزول الملائكة يوم بدر بعمائم صُفر لا يعارض عموم الخبر الصحيح الآمر بالبياض لأنه لمقاصد اقتضاها خصوص المقام كما بيّنه بعض الأعلام.
صفة نعله و خُفِّه كان لنعل رسول الله صلى الله عليه و سلم قِبالان مُثَنَّى شراكهما أي لكلٍ منهما قِبالان ، والقِبال هو زِمام يوضع بين الإصبع الوسطى و التي تليها ويُسمَّى شِسعاً، و كان النبي صلى الله عليه و سلم يضع أحد القِبالين بين الإبهام و التي تليها والآخر بين الوسطى و التي تليها و الشِّراك للسير (أي النعل). وكان يلبس النعل ليس فيها شعر، كما رُؤيَ بنعلين مخصوفتين أي مخروزتين مُخاطتين ضُمَّ فيها طاق إلى طاق. وطول نعله شِبر وإصبعان و عرضها مِمَّا يلي الكعبان سبع أصابع وبطن القدم خمس أصابع ورأسها مُحَدَّد. وكان عليه الصلاة والسلام يقول موصياً الناس: " إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين و إذا نزع فليبدأ بالشمال ".
صفة خاتمه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:" لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى العجم ، قيل له: إن العجم لا يقبلون إلا كتاباً عليه ختمٍ، فاصطنع خاتماً، فكأني أنظر إلى بياضه في كفه"، رواه الترمذي في الشمائل والبخاري ومسلم. ولهذا الحديث فائدة أنه يندب معاشرة الناس بما يحبون وترك ما يكرهون و استئلاف العدو بما لا ضرر فيه ولا محذور شرعاً والله أعلم. ولقد كان خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة و فَصُّه (أي حجره) كذلك ، وكان عليه الصلاة و السلام يجعل فَصَّ خاتمه مِمَّا يلي كفه ، نقش عليه من الأسفل إلى الأعلى (( محمد رسول الله ))، و ذلك لكي لا تكون كلمة "محمد" صلى الله عليه و سلم فوق كلمة {الله} سبحانه و تعالى. و عن ابن عمر رضي الله عنه قال: "اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من ورِق (أي من فضة) فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر ويد عمر، ثم كان في يد عثمان، حتى وقع في بئر أريس نَقشُهُ ((محمد رسول الله )) "، رواه الترمذي في الشمائل ومسلم وأبو داود، وأريس بفتح الهمزة وكسر الراء ، هي بئر بحديقة من مسجد قباء. و لقد ورد في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يلبس الخاتم في يمينه و في روايات أخرى أنه كان يلبسه بيساره و يُجمع بين روايات اليمين و روايات اليسار بأن كُلاّ منهما وقع في بعض الأحوال أو أنه صلى الله عليه و سلم كان له خاتمان كل واحد في يد . ولكن الذي ورد في الصحيحين هو تعيين الخنصر ، فالسُنَّة جعل الخاتم في الخنصر فقط، والخنصر هو أصغر أصابع اليد و حكمته أنه أبعد عن الامتهان فيما يتعاطاه الإنسان باليد و أنه لا يشغل اليد عمّا تزاوله من الأعمال بخلاف ما لو كان في غير الخنصر.
صفة سيفه عن سعيد بن أبي الحسن البصري قال: " كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة ". والمراد بالسيف هنا، ذو الفقار وكان لا يكاد يفارقه ولقد دخل به مكة يوم الفتح. والقبيعة كالطبيعة ما على طرف مقبض السيف يعتمد الكف عليها لئلا يزلق. وفي رواية ابن سعد عن عامر قال: " أخرج إلينا علي بن الحسين سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قبيعته من فضة وحلقته من فضة ". وعن جعفر بن محمد عن أبيه أنه كان نعل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أسفله وحلقته وقبيعته من فضة.
صفة درعه عن الزبير بن العوام قال: " كان على النبي صلى الله عليه و سلم يوم أُحُد درعان فنهض إلى الصخرة فلم يستطع ( أي فأسرع إلى الصخرة ليراه المسلمون فيعلمون أنه عليه الصلاة و السلام حيّ فيجتمعون عليه، فلم يقدر على الارتفاع على الصخرة قيل لما حصل من شج رأسه و جبينه الشريفين واستفراغ الدم الكثير منهما) فأقعد طلحة تحته (أي أجلسه فصار طلحة كالسلم) وصعد النبي صلى الله عليه وسلم (أي وضع رجله فوقه و ارتفع) حتى استوى على الصخرة (أي حتى استقر عليها)، قال: سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول: " أوجبَ طلحة ( أي فعل فعلاً أوجب لنفسه بسببه الجنة وهو إعانته له صلى الله عليه وسلم على الارتفاع على الصخرة الذي ترتب عليه جمع شمل المسلمين وإدخال السرور على كل حزين ويحتمل أن ذلك الفعل هو جعله نفسه فداء له صلى الله عليه وسلم ذلك اليوم حتى أصيب ببضعٍ وثمانين طعنة و شلَّت يده في دفع الأعداء عنه ) ". و قوله (كان عليه يوم أُحُد درعان) دليل على اهتمامه عليه الصلاة و السلام بأمر الحرب وإشارة إلى أنه ينبغي أن يكون التوكل مقروناً بالتحصن لا مجرداً عنه. و لقد ورد في روايات أخرى أنه كان للنبي عليه الصلاة و السلام سبعة أدرعٍ.
صفة طيبه (أي عطره) كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ المِسك فيمسح به رأسه و لحيته و كان صلى الله عليه و سلم لا يردُّ الطيب، رواه البخاري. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"، ورواه الترمذي في الأدب باب ما جاء في طيب الرجال والنساء، والنسائي في الزينة باب الفصل بين طيب الرجال والنساء، وهو حديث صحيح.
صفة كُحله عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه و سلم قال: " اكتحلوا بالإثمد فإنّه يجلو البصر و يُنبِت الشعر"، وزعم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم له مكحلة يكتحل منها كلَّ ليلةٍ ثلاثةً في هذه وثلاثة في هذه. قوله (اكتحلوا بالإثمد) المخاطَب بذلك الأصِحّاء أمّا العين المريضة فقد يضُرَّها الإثمِد، والإثمِد هو حجر الكحل المعدني المعروف ومعدنه بالمشرق وهو أسود يضرب إلى حمرة. وقوله (فإنّه يجلو البصر) أي يقوّيه و يدفع المواد الرديئة المنحدرة إليه من الرأس لاسيما إذا أُضيف إليه قليل من المسك. وأمّا قوله (يُنبت الشعر) أي يقوّي طبقات شعر العينين التي هي الأهداب وهذا إذا اكتحل به من اعتاده فإن اكتحل به من لم يعتده رمدت عينه.
صفة عيشه عن عائشة رضي الله عنها قالت: " ما شَبِعَ آل محمد صلى الله عليه و سلم منذ قَدِموا المدينة ثلاثة أيام تِباعاً من خبز بُرّ، حتى مضى لسبيله أي مات صلى الله عليه وسلم". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً " (أي ما يسدُّ الجوع) متفق عليه.
صفة شرابهعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " دَخَلتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وخالد بن الوليد على ميمونة فجاءتنا بإناء من لبن فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على يمينه و خالد عن شماله فقال لي: الشَّربة لك فإن شئتَ آثرتَ بها خالداَ، فقُلتُ ما كنتُ لأوثِرَ على سؤرك أحداً، ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: من أطعَمَهُ الله طعاماً فليقُل: "اللهم بارِك لنا فيه وأطعِمنا خيراً منه، ومن سقاه الله عزّ و جلّ لبَناً فليقُل: اللهم بارك لنا فيه وزِدنا منه"، ثم قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس شيء يُجزىء مكان الطعام والشراب غير اللبن ".
صفة شُربهعن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم شرب من زمزم وهو قائم . و عن أنَس بن مالك رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه و آله سلم كان يتنفَّس في الإناء ثلاثاً إذا شرب ويقول هو أمرَاُ و أروى ، قوله (كان يتنفس في الإناء ثلاثاً) وفي رواية لمسلم (كان يتنفس في الشراب ثلاثاً ) المراد منه أنه يشرب من الإناء ثم يزيله عن فيه (أي فمه) ويتنفس خارجه ثم يشرب وهكذا لا أنه كان يتنفس في جوف الإناء أو الماء المشروب. وكان عليه الصلاة والسلام غالباً ما يشرب وهو قاعد.
صفة تكأتهعن جابر بن سَمُرَة قال:"رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم مُتَّكئاً على وسادة على يساره ". وعن عبد الرحمن بن أبي بَكرَة عن أبيه قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أحدِّثكم بأكبر الكبائر قالوا بلى يا رسول الله ، قال: الإشراك بالله و عقوق الوالِدَين، قال وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مُتَّكِئاً، قال وشهادة الزور أو قول الزور، قال فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولها حتى قلنا لَيته سكت ".
صفة فراشهولرسول الله صلى الله عليه وسلم فراش من أدم. (أي من جلد مدبوغ) محشو بالليف. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: " دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نائم على حصير قد أثَّر بجنبه فبكيت، فقال: ما يُبكيك يا عبد الله؟ قلت: يا رسول الله –صلى الله عليه وسلم-كسرى وقيصر قد يطؤون على الخز والديباج والحرير وأنت نائم على هذا الحصير قد اثَّر في جنبك!. فقال: لا تبكِ يا عبد الله فإن لهم الدنيا و لنا الآخرة ".
صفة نومهكان عليه أفضل الصلاة و أتم التسليم ينام أول الليل ، و يُحيي آخره .و كان إذا أوى إلى فِراشه قال: (باسمك اللهم أموت و أحيا) ، و إذا استيقظ قال: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا و إليه النُّشور). عن البراء بن عازب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أخذ مضجعه، وضع كفه اليمنى تحت خده الأيمن، وقال: "ربِّ قِني عذابك يوم تبعث عبادك"، رواه أحمد في المسند والنسائي في عمل اليوم والليلة وابن حبان وصححه الحافظ في الفتح. وعن عائشة رضي الله عنها: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه فنفث فيهما وقرأ فيهما : قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يصنع ذلك ثلاث مرات "، رواه البخاري في الطب والترمذي والظاهر أنه كان يصنع ذلك في الصحة والمرض وقال النووي في الأذكار: " النفث نفخ لطيف بلا ريق ". ويستفاد من الحديث أهمية التعوذ والقراءة عند النوم لأن الإنسان يكون عرضة لتسلط الشياطين. وعن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عرَّس بليل ، اضطجع على شقه الأيمن، وإذا عرَّس قبيل الصبح ، نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، رواه أحمد في المسند ومسلم في الصحيح ،كتاب المساجد باب قضاء الصلاة، والتعريس هو نزول المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة قاله في النهاية لعل ذلك تعليماً للأمة لئلا يثقل بهم النوم فتفوتهم الصبح في أول وقتها. ويستفاد من الحديث أن من قارب وقت الصبح ينبغي أن يتجنب الاستغراق في النوم وأن يستلقي على هيئة تقتضي سرعة انتباهه إقتداءً بالمصطفى صلى الله عليه وسلم.
صفة عطاسهعن أبي هريرة رضي عنه: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه وخفض بها صوته"، رواه أبو داود والترمذي وصححه الحاكم وأقره الذهبي.
صفة مشيتهعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " ما رأيتُ شيئاً أحسن من رسول الله صلى الله عليه و سلم كأنَّ الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحداً أسرع من رسول الله صلى الله عليه و سلم كأنَّما الأرض تطوى له، إنَّا لَنُجهد أنفسنا وإنَّه غير مكترث ". و عن أنس رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا مشى تَكَفَّأ ( أي مال يميناً و شمالاً و مال إلى قصد المشية ) ويمشي الهُوَينا ( أي يُقارِب الخُطا ). وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مشى ، مشى مجتمعاً ليس فيه كسل "، (أي شديد الحركة ، قوي الأعضاء غير مسترخ في المشي) رواه أحمد. كان صلى الله عليه و سلم إذا التفت التفت معاً أي بجميع أجزائه فلا يلوي عنقه يمنة أو يسرة إذا نظر إلى الشيء لما في ذلك من الخفة و عدم الصيانة وإنّما كان يقبل جميعاً و يُدبِر جميعاً لأن ذلك أليَق بجلالته ومهابته هذا بالنسبة للاتفاته وراءه، أمّا لو التفت يمنة أو يسرة فالظاهر أنه كان يلتفت بعنقه الشريف.
صفة دُعائه" كان النبي صلى الله عليه و سلم يُحب الجوامع من الدعاء و يدع ما بين ذلك " ، حديث صحيح رواه أحمد. و من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم في الأخلاق: (اللهم اهدني لأحسن الأعمال وأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، و قني سيء الأعمال و سييء الأخلاق، لا يقي سَيِّئها إلا أنت)، أخرجه النسائي.
صفة تسبيحه" كان يعقد التسبيح بيمينه"، حديث صحيح رواه البخاري و الترمذي و أبو داود ( أي يسبِّح على عقد أصابع يده اليمنى ).
من أخلاقه صلى الله عليه و سلمعن عائشة رضي الله عنها قالت: " ما خُيِّرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد ما يكون عنه وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء قط إلا أن تُنهَكَ حُرمة الله، فينتقم للّه بها ". وعن عائشة أيضاً قالت: " ما ضرب رسول الله صلى الله عليه و سلم شيئاً بيده قط، و لا امرأة، و لا خدماً إلاّ أن يجاهد في سبيل الله، و ما نيلَ من شيء قط، فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيئاً من محارِم الله ، فينتقم لله ". وعن أنس بن مالك رضي الله عنه (خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خُلُقاً، فأرسلني يومأً لِحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لِما أمرني به نبي الله صلى الله عليه وسلم. فخرجتُ حتى أمُرَّ على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم بقفاي (من ورائي)، فنظرتُ إليه وهو يضحك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أُنَيس ذهبتَ حيث أمرتُك، فقلت: أنا أذهب يا رسول الله!. قال أنس رضي الله عنه: والله لقد خدمته تسع سنين ما عَلِمته قال لشيء صنعتُه، لم فعلتَ كذا وكذا؟ ولا عاب علَيّ شيئاً قط، والله ما قال لي أُف قط"، رواه مسلم. قلت فكم من مرة قلنا لوالدينا أفٍّ أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فما قال لخادمه أفٍّ قط!!. وعن أبي هالة عن الحسن بن علي قال أن النبي عليه الصلاة والسلام كان خافض الطرف (من الخفض ضد الرفع فكان إذا نظر لم ينظر إلى شيء يخفض بصره لأن هذا من شأن من يكون دائم الفكرة لاشتغال قلبه بربه)، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، وكان جل نظره الملاحظة (المراد أنه لم يكن نظره إلى الأشياء كنظر أهل الحرص والشره بل بقدر الحاجة)، يسوق أصحابه أمامه (أي يقدمهم أمامه، ويمشي خلفهم تواضعاً، أو إشارة إلى أنه كالمربي، فينظر في أحوالهم وهيئتهم، أو رعاية للضعفاء وإغاثة للفقراء، أو تشريعاً، وتعليماً، وفي ذلك رد على أرباب الجاه وأصحاب التكبر والخيلاء )، وكان صلى الله عليه وسلم يبدر من لقي بالسلام. لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم من أكمل الناس شرفاً وألطفهم طبعاً وأعدلهم مزاجاً وأسمحهم صلة وأنداهم يداً لأنه مستغن عن الفانيات بالباقيات الصالحات.
* وقد أكّد الرسول صلى الله عليه وسلم على التواضع في جملة في الأحاديث منها : - قوله صلى الله عليه وسلم: "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً ، و خِياركم خِياركم لِنسائه خُلُقا ". - وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن لَيُدرك بِحُسن خُلُقه درجة الصائم القائم "، صحيح رواه أبو داود.
* العفو عند الخصام: عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رجلاً شتم أبا بكر والنبي صلى الله عليه و سلم جالس يتعجب و يبتسم، فلما أكثر ردّ عليه بعض قوله، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، فلحقه أبو بكر قائلاً له: يا رسول الله كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبتَ وقُمتَ !!. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كان معك مَلَك يرد عليه ، فلما رددتَ عليه وقع الشيطان (أي حضر) يا أبا بكر ثلاث كلهن حق : ما من عبدظُلِمَ بمظلمة فيُغضي (أي يعفو) عنها لله عز و جل إلا أعزَّ الله بها نصره و ما فتح رجل باب عطِيَّة ( أي باب صدقة يعطيها لغيره) يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، و ما فتح رجل باب مسألة (أي يسأل الناس المال ) يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قِلَّة ".
* من تواضع الرسول صلى الله عليه و سلم: عن أنس رضي الله عنه قال: " ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لِما يعلمون من كراهيته لذلك "، رواه أحمد والترمذي بسند صحيح. "كان يزور الأنصار، ويُسَلِّم على صبيانهم ، و يمسح رؤوسهم "، حديث صحيح رواه النسائي. وكان عليه الصلاة والسلام يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم. وكان يجلس على الأرض و يأكل على الأرض ويجيب دعوة العبد، كما كان يدعى إلى خبز الشعير فيجيب. عن أنس رضي الله عنه قال: " كانت ناقة رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تُسبَق أو لا تكاد تُسبَق، فجاء أعرابي على قعود له (أي جمل) فسبقها، فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه، فقال الرسول صلى الله عليه و سلم: "حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه "، رواه البخاري.
* من رِفق الرسول صلى الله عليه و سلم : قال الله تعالى:{ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عَنِتُّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم}. عن أنس رضي الله عنه قال: " بينما نحن في المجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فصاح به أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم: مَه مَه ( أي اترك ) !!. قال النبي عليه الصلاة و السلام: لا تُزرموه، (لا تقطعوا بوله). فترك الصحابة الأعرابي يقضي بَوله، ثم دعاه الرسول صلى الله عليه و سلم و قال له: " إن المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنَّما هي لِذِكر الل |