للمــن تــنتســب الــمؤسســة

تحل يوم 18 يونيو من كل سنة ذكرى استشهاد البطل محمد الزرقطوني أحد ابرز مؤسسي المقاومة وجيش التحرير ببلادنا، الذي ترصع سيرته صفحات الكفاح الوطني من أجل الحرية والانعتاق، وملحمة العرش والشعب، بصفات الشهامة والإيثار والتشبث بالقيم والأخلاق الكريمة واسترخاص النفس والنفيس من اجل عزة الوطن وكرامة الإنسان وحريته.

انخرط منذ ريعان شبابه في العمل الوطني والنضال السياسي فتميز بحماس فياض وفكر ثاقب وديناميكية متواصلة، جعلته ينال ثقة الحزب ورفاقه في النضال، ويتبوأ مركزا قياديا في نشاط الحزب بمدينة الدار البيضاء. لكن بعد نظره ودقة حسه جعلاه يدرك نوايا الاستعمار ومناوراته التي لا تبشر بالخير لاسيما في مطلع الخمسينات حيث احتدم الصراع بين المغفور له محمد الخامس والزعماء الوطنيين من جهة والإقامة العامة من جهة ثانية.

هذه الأخيرة التي شرعت في إبراز أنيابها وبدأت بالتربص بالعرش وتهديد كيانه في شخص الملك الشرعي، وكان الشهيد يتابع هذه المؤامرة ويستجلي خيوطها وحياكتها، فبادر الى اعداد العدة وتدبير وسائل المواجهة بخطة محكمة وتنظيم دقيق، وقد كان لي شرف مشاطرة الشهيد الزرقطوني لتفكيره وتوجهاته الثورية، فشاءت عناية الله وهدايته ان نجتمع على تأسيس الخلية الأولى للعمل المسلح بتاريخ 7 أبريل 1951 فانسجمت إرادتنا يومذاك مع الإخوة التهامي نعمان والمرحومين سليمان رضى وحريشي حسن العرائشي، وأدينا يمين الوفاء وشرعنا في إعداد العدة والعتاد للمرحلة ورسم المخططات وتحديد الأهداف التي تقض مضجع الوجود الاستعماري وتدفع به الى الرضوخ لإرادة الملك الشرعي والشعب المغربي الحر.

وتجب الإشارة في هذا المضمار الى ان الشهيد كان واسع المدارك بعيد الأفق، بحيث استطاع أن يمد شبكة التنظيم السري الى درب السلطان والمدينة القديمة وكل احياء الدار البيضاء ثم الى مدن كبرى كفاس ومكناس والرباط ومراكش وغيرها من الحواضر، كما كان يحضر قبل وفاته بقليل الى مد العمل المسلح إلى القرى وجبال الأطلس والصحراء والريف، استعدادا لتأسيس جيش التحرير، وهذا ما يفسر استقطابه للرجل الوطني الغيور المرحوم محمد بن عمر المكوني الملقب بويفادن الذي كان على صلة بجنود ثكنة بورنازيل بالدار البيضاء.

إن قناعة الشهيد محمد الزرقطوني بمحدودية قدرة الانسان على تحمل التعذيب والبطش بالمتورطين الذين قد يقعون فريسة بيد سلطات التحقيق الاستعمارية، جعلته شديد الحيطة والحذر والحرص على أن لاينهار بنيان التنظيم السري فجأة في حال إلقاء القبض على أعضاء التنظيم، فكان لايفارق قرص السم لا هو ولا رفاقه وتلك كانت إحدى خصاله المعبرة عن استعداده التام لافتاء التنظيم بروحه من اجل الاستمرارية وتداول مشعل القيادة إلى النصر.

وكان يوم الاختبار هو يوم 18 يونيو 1954 وهو يوم الوفاء لليمين والإخلاص حينما تمكنت قوات الشرطة الاستعمارية من العثور على هذا القائد الملهم، والقاء القبض عليه بمنزله بسيدي معروف بالدار البيضاء فكانت فرحة المستعمر كبيرة وهي تتصور أنها تمكنت من الإمساك بكل خيوط المقاومة المسلحة، إلا أنها مصداقا لوعده رحمه الله، لم تتمكن سوى من جثة هامدة بعدما صعدت الروح الى باريها وهي تحمل معها كل أسرار الحركة ورجالها الذين واصلوا من بعده أعمالهم الفدائية آخذين من تضحيته المثال والقدوة الحسنة التي قادت الى النصر المبين ورجوع الحق الى نصابه بعودة الملك المجاهد محمد الخامس الى عرشه ومملكته، حاملا مشعل الحرية والاستقلال، وأصبح يوم 18 يونيو 1954 يوم المقاومة ويوم بالوقوف على قبر الشهيد بمقبرة الشهداء بابنمسيك حيث ألقى خطابه السامي نستخلص من درره الغالية مايلي

».. إن الشعب المغربي مفطور على الاعتراف بالجميل، ولن ينسى عمل أولئك الذين كان لهم فضل المقاومة سواء بالسلاح أو اللسان أو المال. وإنه لجدير بذكرى المكافحين أمثال الزرقطوني، وعلال بن عبد الله، أن يخصص لهما يوم يكون أحد أيامنا المشهودة لتكون ذكرى لائقة بنضالهم المجيد، ناطقة بعظمة كفاحهم، وهذا ما عقدنا عليه العزم بحول الله..«

نحيي هذه الذكرى الوطنية المجيدة ولم يمض على الأحداث الاجرامية التي شهدتها مدينة الدار البيضاء، مهد المقاومة، أكثر من شهر، تلك الأحداث التي أقدمت عليها شرذمة من الأفراد منعدمي الحس الوطني، بتفجير أنفسهم في بعض المرافق التي يرتادها مواطنون أجانب أبرياء دونما إدراك منهم بالاستقرار والأمن الذي ينعم به وهو يخوض تجربته الديموقراطية بخطى ثابتة ورزينة برعاية ملكه الشاب محمد السادس نصره الله، والتي ذهب ضحيتها ثلاثة وأربعون من العزل لقاء هذا العمل الشنيع المتهور وغير المسؤول.

لقد خرج الشعب المغربي عن بكرة أبيه في تظاهرة يوم الأحد 25 ماي المنصرم بالدار البيضاء قدرت حشودها بما يربو عن مليون مواطن ومواطنة، يمثلون كل شرائح المجتمع، وفعالياته السياسية والنقابية والثقافية ومنظمات المجتمع المدني، على اختلاف أطيافه، مستنكرين ومشجبين هذه العمليات الاجرامية التي لا تمت بصلة الى قيم المواطنة، والتي كانت بمثابة زلزال كاد يعصف بهذا الوطن ويفت في عضده لولا ثبات وصمود المغاربة الأباة، ذلك الصمود الذي اعتادت ان تتكسر على صلابته كل المحاولات اليائسة التي يسعى اليها خصوم المسار الجديد الذي اختاره المغرب للنهوض بأوضاعه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

ومهما تعددت مشارب ومخاتلات المغرضين الذين يتحينون الفرص ويلبسون لبوس التخفي وراء العقيدة الحنيفية السمحاء،. وهي منهم براء ويستوردون التيارات الرخيصة الهوجاء، فان مغرب شهداء ملحمة العرش والعشب محصن بقيمه وثوابته وسيظل كذلك منتصبا وواقفا على هذه التوابث الراسخة التي ناضل وكافح وقاتل من اجلها طيلة مسيرته التحريرية والتي يواصلها بنفس الروح ونفس العزم والاصرار حفاظا على هويته وشخصيته وتجدر كيانه.

إن قراءة متأنية في ما حصل بالدار البيضاء يدعو الى التفكير والتمحيص في دور الأحزاب والتنظيمات السياسية على تعددها واختلاف توجهاتها التي اصبحت اليوم بالعشرات بينما كانت في ابان الكفاح ضد الاحتلال تحسب على رؤوس اصابع اليد الواحدة والحال ان مهامها دستوريا ترتكز على تأطير الشعب وإدماجه وتصريف قواه في قضايا الشأن العام للبلاد حتى تكون كلمته حاضرة ومشاركته ملموسة وفعالة بما ينهض بالبلاد ويخدم مصالحها العليا ويقيها شرور التهميش وترك الحبل على الغارب، بل يحفزها ويدفعها الى أداء دورها الحيوي واليقظ وينمي فيها تلك الروح الوطنية المسؤلة التي ينبغي أن تستعيدها الامة بنفس الحماس والطموح ونكران الذات والوفاء الذي كانت عليه في عهد التحرير والانعتاق.

لقد آن الأوان وكما قال صاحب الجلالة نصره الله، لقد دقت الساعة، لان تقف الأحزاب لمراجعة برامجها وسلوكاتها في أفق خلق أجواء ومناخات تعيد الثقة الى المواطنين ولاسيما الشباب منهم للتشبع بروح الوطنية والمواطنة والانخراط في العمل المجتمعي في مختلف المجالات والميادين بكامل التجرد وبحب الوطن، هذا الوطن الذي أعطانا ويعطينا وسيظل يعطينا الكثير، ممايجعلنا في مقابل ذلك، ملزمين بمبادلته عطاء وذلك بالتمسك به والانغماس في خدمته في كل وقت وحين.

وفي كلمة أخيرة علينا أن نسعى منذ الآن وقبل فوات الأوان الى زرع بذور الوطنية في مُهج أبنائنا في الكتب وفي المدرسة وفي الإعدادية والجامعة وفي النادي وفي الفضاءات وعبر الكتاب، والقصة والأدب وعبر الشاشة الصغيرة والكبيرة وعبر المسرح وعبر الصحف وعبر كل الواجهات الحياتية اليومية لأن بذرة اليوم هي شجرة الغد ونبات الغد، والشجرة الطيبة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

وعلينا وعلى الكهول والشباب ان نظل أوفياء لقيم الوطن العليا وأن نظل ملتفين وراء ملكنا وعاهلنا جلالة الملك محمد السادس لأن في الالتحام قوة وفي التفرق ضعف وإن اختياراتنا التي هي أصلا نابعة من ديننا الاسلامي وعقيدتنا السمحة ومن إرادتنا ومن صدق طويتنا ومن عزمنا هي اختيارات لا محيد عنها ولا رجعة فيها أحب من أحب وكره من كره .

الحاج الحسين برادة عضو المجلس الوطني المؤقت لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير
 
 
 
 
 

 

     
   

 

 


mesure audience